سياسي أمريكي يكتب عن كيفية تمكّن واشنطن من التوصل إلى اتفاق مع إيران
وفقًا لتقرير شباب برس، كتب "ريتشارد نيفيو"، الكاتب والسياسي الأمريكي ومدير برنامج "مركز سياسة الطاقة العالمية" في جامعة كولومبيا، والذي لعب دورًا محوريًا في صياغة العقوبات الاقتصادية ضد إيران خلال إدارة "باراك أوباما" ويُعرف بـ"مهندس العقوبات على إيران"، مقالًا حول إمكانية التوصل إلى "اتفاق جيد" مع إيران في إطار المفاوضات غير المباشرة بين إيران وإدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".
في هذا المقال، الذي نُشر في مجلة "فورين أفيرز"، كتب نيفيو أن طهران وواشنطن، رغم تاريخهما الحافل بالعداوة، أظهرتا منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض اهتمامًا متبادلاً وثابتًا بالتوصل إلى اتفاق، وأن كلا الجانبين لديهما دوافع واضحة لإنجاحه.
ويذكر في المقال: لقد حدد الطرفان، خلال عدة جولات من المفاوضات، أطرًا محتملة للاتفاق. تسعى إدارة ترامب إلى استعادة الاستقرار الاستراتيجي في الشرق الأوسط، كما أن ترامب شخصيًا مهتم بتعزيز صورته كصانع صفقات. أما إيران، التي لا تزال تحت وطأة العقوبات الأمريكية، فهي تبحث عن انتعاش اقتصادي دائم وإنهاء حالة العداء بعد أن تراجعت قوة العديد من حلفائها في المنطقة.
ومع ذلك، تناول نيفيو التحديات القائمة بين الطرفين، وكتب: "رغم أن ترامب يقول إنه يريد حل القضية النووية بسرعة ويصر على أن الاتفاق قريب، فإن القضايا الأساسية والعميقة بين الطرفين قد تعرقل هذا المسار."
من بين أبرز نقاط الخلاف تبقى المخاوف الأمريكية بشأن برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم ودعمها المالي لحلفائها، مقابل رفض إيران للحد من برنامجها النووي وقلقها من عدم استقرار أي اتفاق مع أمريكا، خاصة بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015. وأضاف: "سيكون من الصعب على إيران أن تقدم تنازلات كافية دون تخطي خطوطها الحمراء لجعل الاتفاق ذا قيمة للولايات المتحدة."
وكتب نيفيو أيضًا أن "حتى الاتفاق الذي يبدو مثاليًا من وجهة النظر الأمريكية سيكون محفوفًا بالمخاطر، وكل اتفاق يحتاج إلى تنازلات غير مريحة من كلا الطرفين". لكنه أضاف أن اتفاقًا يتضمن رفع بعض العقوبات مقابل رقابة موسعة على منشآت إيران النووية المعلنة وغير المعلنة، مع تقييد تخصيب اليورانيوم، قد يعيد فرص الاستفادة من مزايا الاتفاق النووي.
وأشار إلى أن مثل هذا الاتفاق، إذا تم التفاوض عليه بعناية وأُعطي الوقت الكافي لتقييم نتائجه، يمكن أن يعوض بعض الأضرار التي سبّبها انسحاب واشنطن من الاتفاق الأصلي، ويمنع وقوع أزمة على المدى القريب ويؤسس لاستقرار إقليمي مستقبلي.
أجرت إيران والولايات المتحدة حتى الآن خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة بوساطة عمان لمناقشة برنامج إيران النووي. وقد وصف الطرفان هذه المفاوضات عمومًا بالبناءة، وقالا إن مسقط قدمت مقترحات لحل الخلافات.
وفي هذا السياق، زعمت بعض الجهات الأمريكية، خاصة بعد الجولة الثالثة من المفاوضات، أن إيران، كونها دولة غير نووية ضمن معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، لا تمتلك حق التخصيب، وأنه يمكنها استيراد الوقود النووي من طرف ثالث إذا رغبت في استخدام الطاقة النووية.
لكن المسؤولين الإيرانيين أكدوا أن حق إيران في الطاقة النووية السلمية والتخصيب غير قابل للتفاوض، وأوضحوا أن إيران ستدافع بحزم عن برنامجها النووي السلمي في مواجهة أي عدوان.
تعزيز أدوات الاتفاق النووي لاتفاق مستدام مع إيران
يشير نيفيو إلى أنه بموجب الاتفاق النووي، كان يجب أن يُمنع وصول إيران إلى سلاح نووي لمدة لا تقل عن عام. ورغم ذلك، كان الاتفاق محل انتقاد واسع، لا سيما من السياسيين المتشددين في الحزب الجمهوري، الذين رأوا أن الاتفاق لم يكن فعالًا بما يكفي لكبح برنامج إيران النووي، وأنه يجب مواجهة الأزمة قبل تعافي الاقتصاد الإيراني من آثار العقوبات.
وقد وجد هؤلاء المنتقدون آذانًا صاغية لدى ترامب، الذي انسحب من الاتفاق في مايو 2018، مما دفع إيران إلى تسريع أنشطتها في تخصيب اليورانيوم واستئناف البحث والتطوير في مجال أجهزة الطرد المركزي.
كتب نيفيو: "لحسن الحظ، لا تزال بعض عناصر الاتفاق قابلة للاستخدام في اتفاق جديد يحظى بدعم الحزبين في أمريكا، وأهمها أدوات الشفافية."
وأضاف: رغم أن معظم النقاشات الدبلوماسية تتركز على تخصيب إيران، فإن عمليات التفتيش الدولية باستخدام أحدث المعدات والأساليب هي العنصر الأساسي الذي يجب أن يُبنى عليه أي اتفاق. من دون تعزيز عمليات التفتيش والشفافية، لن يكون هناك أي اتفاق مستدام.
وأوصى نيفيو بأن على الولايات المتحدة أن تعطي أولوية لإقناع إيران بالموافقة على أشد عمليات التفتيش لمنشآتها النووية المعلنة وغير المعلنة، مضيفًا أنه "إذا لم تلتزم إيران بالكامل بمعايير اتفاق الضمانات الشاملة لوكالة الطاقة الذرية التي تم تطويرها عام 1994، فيجب على واشنطن الانسحاب."
ودعا نيفيو أيضًا إلى إلزام إيران بتطبيق آليات الشفافية المنصوص عليها في الاتفاق بشأن أجهزة الطرد المركزي ومخزونات اليورانيوم. وقال إنه بدون ذلك، يمكن لطهران تطوير برنامج نووي سري بسهولة، خاصة بعد أن صنعت أجهزة طرد مركزي متطورة وبدأت ببناء منشآت محصنة يصعب استهدافها.
وزعم نيفيو أن إيران بعد عام 2021 منعت وكالة الطاقة الذرية من الوصول إلى قطع أجهزة الطرد المركزي ومواقع تخزينها. وأضاف أنه حتى لو تم تفكيك منشآتها النووية، فإن غياب الإعلانات المفاجئة والتفتيش غير المعلن سيسمح لإيران بمواصلة العمل في الخفاء. ولهذا، فإن استعادة حقوق الرقابة الواردة في الاتفاق الأصلي ستكون خطوة حاسمة.
إلزام إيران بالإفصاح عن المعدات والمواد
استنادًا إلى ادعاءات الاحتلال الإسرائيلي، كتب نيفيو أن بعض بنود التفتيش في الاتفاق السابق لم تكن شاملة بما يكفي ويجب تعزيزها في أي اتفاق جديد، خصوصًا ما يتعلق بمسألة "التسليح".
ففي القسم "T" من الاتفاق النووي، وافقت إيران على عدم العمل في المجالات المتعلقة بتطوير الأسلحة النووية، لكنها لم تُلزم بالإفصاح عن المعدات التي قد تُستخدم في هذا الغرض أو السماح بالتفتيش عليها.
ويتابع نيفيو: "الزمن تغير الآن"، مشيرًا إلى أن إسرائيل زعمت في عام 2018 أنها حصلت على أرشيف نووي يكشف منشآت عملت فيها إيران سابقًا على تطوير الأسلحة.
وبالرغم من نفي إيران المتكرر وجود أي نية لإنتاج سلاح نووي، زعم نيفيو أن تقارير أمريكية تشير إلى استمرار أنشطة مزدوجة الغرض، وأنه يجب إلزام إيران بالإفصاح عن جميع المعدات والمواد المتعلقة بتلك الأنشطة، والسماح بالتفتيش عليها، بما في ذلك المنشآت العسكرية.
مقترحات عملية للحد من التخصيب
أكد نيفيو أن الشفافية ضرورية لكنها غير كافية، وأن الولايات المتحدة يجب أن تطالب بإجراء تغييرات في برنامج إيران النووي ذاته.
ويقول إن إيران وافقت سابقًا ضمن الاتفاق على تعديلات تمنعها من إنتاج البلوتونيوم المستخدم في السلاح النووي، لكن تخصيب اليورانيوم يبقى القضية الأصعب.
وأشار إلى أن إيران، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق، أحرزت تقدمًا كبيرًا، وأصبحت قادرة على تحقيق الكثير بأجهزة طرد مركزي أقل عددًا وأكثر تطورًا.
وطرح مقترحات بديلة مثل إقامة مشروع تخصيب مشترك مع دول خليجية أو استخدام آليات معقدة لنقل المواد، لكنه خلص إلى أن هذه الحلول تترك لإيران آلاف أجهزة الطرد المركزي.
ورأى أن واشنطن يجب أن تقبل ببعض المخاطر، مشيرًا إلى أن قبول درجة معينة من التخصيب مقابل فرض قيود صارمة قد يحقق هدفًا مشتركًا لكل من ترامب وطهران: "الولايات المتحدة يمكن أن تتقبل تخصيبًا محدودًا، وإيران يمكنها قبوله دون أن يبدو وكأنه استسلام لعدوها اللدود."
المزيد من المجال للمفاوضات مع رغبة إيران في رفع العقوبات
وفي ختام التقرير، قال نيفيو إن الولايات المتحدة يمكن أن تستخدم رفع العقوبات كوسيلة للمساومة على الحد من التخصيب. وأوضح أن رغبة إيران في رفع العقوبات، حتى بشكل أوسع مما نص عليه الاتفاق السابق، تخلق فرصة للتفاوض.
وأشار إلى أن واشنطن قد تعرض رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية مقابل وقف دائم أو طويل الأمد للتخصيب، مع استمرار العقوبات على المجالات العسكرية والحرس الثوري.
لكنه حذر من أن رفع العقوبات قد يعزز من قوة حلفاء إيران في المنطقة، مطالبًا بضرورة إدراج قيود على صادرات إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة.
فرصة ذهبية لإدارة ترامب
وفي نهاية المقال، قال نيفيو إن استخدام القوة العسكرية ليس النتيجة المرجوة، حيث أن الهجوم على إيران قد يؤدي إلى حرب شاملة.
وأضاف أن على الولايات المتحدة استغلال نفوذها وفرصة سيطرة ترامب على الحزب الجمهوري للتوصل إلى اتفاق، حتى وإن كان غير مثالي، لكنه سيكون أفضل من لا شيء، وقد يحقق وعد ترامب باتفاق "أفضل من الاتفاق النووي الأصلي".




